ابن كثير
48
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقوله : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً أي نجمع له عمله كله في كتاب يعطاه يوم القيامة إما بيمينه إن كان سعيدا أو بشماله إن كان شقيا ، منشورا أي مفتوحا يقرؤه هو وغيره فيه جميع عمله من أول عمره إلى آخره يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ [ القيامة : 13 - 15 ] ولهذا قال تعالى : اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً أي إنك لم تظلم ولم يكتب عليك إلا ما عملت ، لأنك ذكرت جميع ما كان منك ، ولا ينسى أحد شيئا مما كان منه ، وكل أحد يقرأ كتابه من كاتب وأمي . وقوله : أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ إنما ذكر العنق لأنه عضو من الأعضاء لا نظير له في الجسد ، ومن ألزم بشيء فيه فلا محيد له عنه ، كما قال الشاعر . [ مجزوء الكامل ] اذهب بها اذهب بها * طوقتها طوق الحمامة « 1 » . قال قتادة عن جابر بن عبد اللّه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لا عدوى ولا طيرة ، وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه » كذا رواه ابن جرير « 2 » ، وقد رواه الإمام عبد بن حميد في مسنده متصلا ، فقال : حدثنا الحسن بن موسى ، حدثنا ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « طير كل عبد في عنقه » . وقال الإمام أحمد « 3 » : حدثنا علي بن إسحاق ، حدثنا عبد اللّه ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثني يزيد أن أبا الخير حدثه أنه سمع عقبة بن عامر رضي اللّه عنه ، يحدث عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ليس من عمل يوم إلا وهو يختم عليه فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة : يا ربنا عبدك فلان قد حبسته ، فيقول الرب جل جلاله : اختموا له على مثل عمله حتى يبرأ أو يموت » إسناده جيد قوي ، ولم يخرجوه . وقال معمر عن قتادة : أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ قال عمله وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ قال : نخرج ذلك العمل كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً قال معمر ، وتلا الحسن البصري عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ [ ق : 17 ] يا ابن آدم بسطت لك صحيفتك ، ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك ، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك ، وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك ، فاعمل ما شئت أقلل أو أكثر حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك ، حتى تخرج يوم القيامة كتابا تلقاه منشورا ، اقرأ كتابك الآية ، فقد عدل واللّه من جعلك حسيب نفسك « 4 » ، هذا من أحسن كلام الحسن ، رحمه اللّه .
--> ( 1 ) البيت لأبي أحمد بن جحش في سيرة ابن هشام 1 / 500 . ( 2 ) تفسير الطبري 8 / 47 . ( 3 ) المسند 4 / 146 . ( 4 ) انظر تفسير الطبري 8 / 49 .